بين الحقوق الفلسطينية ومكافحة معاداة السامية...صراع في "كولومبيا" حول صندوق الـ 21 مليون دولار
✍️ مراد ك | 𝕾𝖆𝖞𝖆𝖗
*** دخلت جامعة كولومبيا العريقة في فصل جديد من الجدل الأكاديمي والسياسي، عقب إعلانها عن تخصيص ميزانية ضخمة تصل إلى 21 مليون دولار لمكافحة "معاداة السامية" في الحرم الجامعي. لكن هذه الخطوة التي أريد بها تهدئة الأوضاع، فجّرت تساؤلات أعمق حول "من سيُعتدّ برأيه؟" ومن هم المستحقون الفعليون لهذه الحماية.
المبادرة الضخمة: صندوق للتعويض والمواجهة
تأتي هذه الخطوة من إدارة الجامعة في محاولة لاحتواء التوترات المتزايدة منذ أحداث السابع من أكتوبر، حيث شهد الحرم الجامعي احتجاجات واسعة واستقطاباً غير مسبوق. يهدف الصندوق إلى تقديم تعويضات، وتنفيذ برامج تعليمية، وتعزيز الأمن لضمان بيئة تعليمية آمنة للطلاب وأعضاء هيئة التدريس اليهود. ومع ذلك، لم يمر الإعلان دون إثارة موجة من الاعتراضات القانونية والأخلاقية حول كيفية تصنيف "الاعتداءات" وتحديد هوية الضحايا.المنعطف المفاجئ: أكاديميون يهود يطالبون بحقهم في الصندوق
في تحرك غير متوقع، تقدم مجموعة من أعضاء هيئة التدريس الذين عُرفوا بمواقفهم الداعمة للحقوق الفلسطينية بطلبات للحصول على تعويضات من هذا الصندوق. يستند هؤلاء الأكاديميون، وكثير منهم من خلفيات يهودية، إلى أنهم تعرضوا لمضايقات ممنهجة، وتهميش، وحملات تشهير بسبب مواقفهم السياسية. وهم يجادلون بأن استهدافهم كـ "يهود" بسبب آرائهم يندرج تحت بند التمييز الذي يجب أن يعالجه الصندوق. هل تشمل الحماية "المواقف السياسية"؟
يطرح هذا التحرك سؤالاً جوهرياً أمام إدارة الجامعة: هل مكافحة معاداة السامية تقتصر على حماية المؤيدين لسياسات معينة، أم أنها تشمل حماية الأفراد اليهود الذين يتعرضون للهجوم بسبب معارضتهم لتلك السياسات؟
يقول المطالبون بالتعويض إن التحرش الذي تعرضوا له لم يكن نابعاً فقط من نشاطهم السياسي، بل استهدف هويتهم وطعن في "انتمائهم"، وهو ما يضع الجامعة أمام اختبار حقيقي لمصداقية معاييرها.
صراع التعريفات: من يملك حق التحدث باسم المجتمع؟
تكمن المشكلة الأساسية في غياب اتفاق عام على تعريف "معاداة السامية" داخل الأوساط الأكاديمية. فبينما تعتمد بعض الجهات تعريفات تربط بين انتقاد الصهيونية ومعاداة السامية، يرى آخرون أن هذا الخلط يُستخدم لإسكات الأصوات الناقدة، بما في ذلك الأصوات اليهودية التقدمية. تحديات قانونية وإدارية تواجه جامعة كولومبيا الآن ضغوطاً من اتجاهين:1. المانحون والمجموعات التقليدية: الذين يخشون أن يؤدي شمول هؤلاء الأكاديميين إلى "تمييع" أهداف الصندوق.
2. المدافعون عن حرية التعبير: الذين يرون أن استثناء الأكاديميين المؤيدين لفلسطين يمثل انحيازاً سياسياً صارخاً من قِبل مؤسسة أكاديمية يُفترض بها الحياد.
مستقبل الحرم الجامعي في ظل الاستقطاب إن قرار جامعة كولومبيا بشأن كيفية توزيع هذه الـ 21 مليون دولار سيمثل سابقة تاريخية. فإما أن يرسخ الصندوق رؤية أحادية للهوية والحماية، أو أن يفتح الباب أمام اعتراف أوسع بالضغوط التي يتعرض لها الأكاديميون من مختلف التوجهات.سؤال استرجاع حقوق الفلسطينيين ليس بسيطًا ولا له جواب واحد. فالحقوق لا تعود فقط بالقوة، ولا بالكلام وحده، بل بإرادة الشعوب، ووحدة الصف، واستمرار النضال السياسي والإعلامي والقانوني. التاريخ يثبت أن القضايا العادلة قد تتأخر، لكنها لا تموت، وأن الأرض التي سُلبت تبقى حاضرة في الذاكرة والوجدان حتى تجد طريقها للعودة.
يبقى السؤال قائماً:
في خضم هذه التعقيدات، هل سينجح المال في شراء الاستقرار داخل الحرم الجامعي، أم أنه سيزيد من حدة الانقسام؟
